محمد بن علي الشوكاني
5747
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يظلمها ، والمكاتبة لإمام المسلمين بما يحدث في القطر الذي هو فيه مما يخالف الشريعة المطهرة - فلا يقدر هذا القاضي الشقي على شيء من هذه الأمور ، سواء أكان حقيرا أو كثيرا ، بل غاية أمره ، ونهاية حاله أن يبقى في ذلك القطر يشاهد المظالم بعينه ، وقد ينفذها بقلمه ، وقد يعين عليها بفمه ، وهو تارك لما أوجبه الله عليه ، وعلى أمثاله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو في الحقيقة ضال مضل ، شيطان مريد ، بل أضر على عباد الله من الشيطان ، ومن أين للشيطان ، وأنى له أن يظهر للناس في صورة قاض ثم يفوض في قطر من الأقطار فيه ألوف مؤلفة من عباد الله ، فيحكم بينهم بالطاغوت بصورة الشرع [ 7 أ ] ، ثم يكون شهيدا على ما يحدث بذلك القطر من المظالم ، ومعينا عليها ، وموسعا لدائرتها من دون أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ، بل لا يجري قلمه قط بما فيه جلب خير للرعية أو دفع شر عنهم . بل هو ما دام في هذا المنصب لا هم له ولا مطلب إلا جمع الحطام من الخصوم ، تارة بالرشوة ( 1 ) وتارة بالهدية ( 2 ) ، وتارة بما هو شبيه بالتلصص ، ثم يدافع عن المنصب الذي هو فيه ببعض هذا السحت الذي صار يجمعه ، ويتوسع في دنياه بالبعض الآخر ، فهو أمر لا يقدر عليه الشيطان ، ولا يتمكن منه ، ولا يبلغ كيده لبني آدم إليه ، وفي هذا ما يكفي من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
--> ( 1 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الراشي والمرتشي في الحكم " . أخرجه أحمد ( 2 / 387 ، 388 ) والترمذي في " السنن " ( 1337 ) وقال : حديث حسن صحيح ، وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرج أبو داود رقم ( 2963 ) بإسناد صحيح عن بريدة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : قال : " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول " . وانظر : " فتح الباري " ( 6 / 624 ) رقم الباب 24 - باب هدايا العمال ) ، و " إعلام الموقعين " لابن القيم ( 4 / 232 ) .